logo

نيافة المطران يوحنا ابراهيم : مع أصوات أجراس الكنائس نرفع صلوات العيد لأرواح شهداء وطننا الغالي

2011-12-24 22:43:00

ألقيت عظة الميلاد في كاتدرائية مار أفرام السرياني بحلب، مساء يوم السبت 24 /12 / 2011، ونقلتها إذاعتا حلب، وقناة حلب تي في، والفضائية السورية.


(1)

نحتفل اليوم بعيد ميلاد ربّنا يسوع المسيح بالجسد في مغارة بيت لحم. إنَّه حدثٌ عجائبي، حقّق نبوءاتٍ وردت في العهد القديم على لسان الأنبياء العِظام، ويكفي أن يُشار إلى نسب السِّيد المسيح كما ورد في الإنجيل المقدّس بحسب الإنجيليّين متّى ولوقا. فمن خلال هذا النسب، نُدرك أنَّ كلّ أسفار العهد القديم تجسّدت في يسوع الناصريّ.

وكما ورد على لسان السِّيد المسيح، وهو يتحدَّث عن يوحنَّا المعمدان عندما قال : لَكِنْ مَاذَا خَرَجْتُم لِتَنْظُرُوا ؟ أَنَبِيّاً !؟ (لو7: 25)، أكَّد بأنَّ جميع الأنبياء والنَّاموس إلى يوحنَّا تنبأوا، فإذا كان يوحنَّا نهاية هذا التنبؤ، ولكن الأنبياء الآخرين السَّابقين له كلَّهم قد تنبأوا، وبقيت نبوءاتهم أساساً لإيماننا بيسوع المسيح.

فهذا متّى الرَّسول، العشّار، اليهودي حتّى العظم، المتمسّك بتعاليم آبائه، والملتزم بكلّ كلمة وردت في التوراة والأنبياء، عندما انفتحت عيناه على يسوع المسيح رأى فيه التوراة والنّاموس الجديد، إذ تحققت كلّ نبوءات العهد القديم، بدءاً من هروب يسوع إلى مصر وهو يقرأ في هوشع : مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي (هو 11: 1). ثمَّ يسمع الرَّبّ، وهو يتحدَّث إلى موسى في مديان : اذْهَبِ ارْجِعْ إِلَى مِصْرَ لأَنَّهُ قَدْ مَاتَ جَمِيعُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَانُوا يَطْلُبُونَ نَفْسَكَ (خر4: 19).

(2)

إن العهد القديم يؤكّد على أنّ نبوّات كثيرين من الأنبياء أصبحت تاريخاً للإنجيل. فإذا استعرضنا بعض هذه النبؤات، لوجدنا أنّ الرّابط بين مجيء السّيد المسيح بالجسد، والأنبياء كان قويّاً. فهذه إليصابات بعد الحَبَل الإلهي وهي تستقبل العذراء في بيتها، وكانت في شهرها السادس، تتنبّأ عن كرامة أمّنا مريم العذراء، وتُعلن : مِنْ أَيْنَ لِي هَذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ (لو 1: 43). وعبارة أمُّ ربِّي تعني تماماً ما قالته الكنيسة عن العذراء مريم أنَّها: والدة الإله (ܝܳܠܕܰܬ̥ ܐܠܗܐ). والعذراء ذاتها جاءت تسبحتها نبوَّةً، لأنّها عرفت أنّ جميع الأجيال ستطوبها، وأَنَّ القَديرَ صَنَعَ بِهَا عَظَائِم (لو 1: 48 و49).وهكذا زكريّا الكاهن بعد ولادة ابنه يوحنّا امتلأ من الروح القدس وتنبّأ قائلاً : مُبَارَكٌ إِلَهُ إِسْرائيل لأَنَّهُ افتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ، وَأَقَامَ لَنَا أَرْضَ خلاصٍ فِي بَيْتِ دَاوُد فَتَاه، كَما تَكَلَّم بِفَمِ أَنْبِيائِهِ القِدِّيسِين الَّذِينَ هُم مُنْذُ الدهر.... وَأَنْتَ أَيُّها الصَّبيُّ نَبيَّ العليّ تُدعَى لأَنَّكَ تَتَقَدَّم أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ لتُعِدَّ طُرُقَهُ، لِتُعْطِيَ شَعْبَهُ مَعْرِفَة الخَلاص لِمَغْفِرَةِ خَطَايَاهُم (لو1: 68- 70/ 76 و77).

(3)

هذه كانت نبوّات الأقربين قبل ولادة يسوع في مغارة بيت لحم. أمّا بعد الولادة، فيظهر أمامنا بادئ ذي بدء سمعان الشيخ الطاعن في السن البّار والتقي الّذي كان ينتظر تعزية إسرائيل والرّوح القدس كان عليه، وإلى جانبه حنّة النبيّة بنت فنوئيل من سبط أشير وهي أيضاً متقدّمة في أيّام كثيرة وكلٌّ منهما تنبّأ عن الطفل يسوع. سمعان أخذه على ذراعيه في الهيكل وبارك الله وقال : الآنَ تُطْلِقُ، عَبْدَكَ بِسَلام، يا سيِّد، حَسبَ قَوْلِكَ. لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاصَك (لو2: 29 و30). وحنّة النبيّة كانت متقدِّمة في أيَّامٍ كثيرة، فهي من تلك الساعة وقفت تسبِّح الرّبّ وتكلّمت عنه مع جميع المنتظرين فداءً في أورشليم.

(4)

والذي يقرأ أسفار العهد القديم يجدُ نفسه أمام كمٍّ هائل من النبوّات عن مجيء السيّد المسيح بالجسد، فهذا أشعياء النبيّ، وعلى بُعدِ مسافةٍ زمنية طويلة يُطلق نبوّته الشهيرة في العذراء مريم، ويقول : وَلَكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً : هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ " عِمَّانُوئِيلَ " (أش 7: 14).

   وعندما أحرج المجوس أهل أورشليم وسكّانَها، وقد جاؤوا من بلاد المشرق إلى المدينة المقدّسة في أيام هيرودس الملك، يتسآلون : أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ، فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ (مت 2: 2). لم يرَ هيرودس صاحب السّلطان في ذلك الزمان، حلّ مشكلةٍ عويصةٍ أحرجته، وهي أنَّ شخصاً ما آتٍ ليُنافسَه على العرش، إلاَّ أن يجمع كلَّ رؤساء الكهنة وكَتَبة الشعب ويسألهم: أَين يُولَدُ المسيح ؟ (مت 2: 4)، أي أين يولد الملك الجديد، الذي حسَب تصوُّره سينتزع منه المُلك، وسيجلس على عرش مجده. فأجابه ممثِّلو الشعب اليهودي قائلين : في بَيْتَ لَحمِ اليَهودِيَّة (مت 2: 5). وأشاروا إلى أنَّهُ هكذا هو مكتوب بالنبيِّ : وأَنتِ يا بَيْتَ لَحمُ، لَسْتِ الصُّغرَى بَيْنَ رُؤَساءِ يهوذا لأَنَّ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسرائيل (مت2: 4-6/ مي5: 2/ 1صم16: 4-13). ولم يُخبروه أنّ صموئيل النبيّ أيضاً سمع صوت الرَّب، وذهب إلى بيت لحم ليمسح أحد أبناء يسَّى الثمانية، ومسح الأصغر بينهم وكان يرعى الغنم وهو داود، الذي حلَّ عليه الرَّب وأصبح فيما بعد الملك والنبيّ.فالمدبِّر منذ ذلك اليوم أراده الله أن يكون من بيت لحم بحسب النبوّتين.

(5)

ومن الأحداث الإنجيلية التي رافقت ميلاد السيِّد المسيح هو العمل الإرهابي والإجرامي، الذي قام به هيرودس الملك، بعد أن سمع رأيَ رؤساء الكهنة وكتبة الشعب، وبعد أن سَخِرَ منه المجوس الذين رأوا الصبي مع مريم أمّه، وخرّوا، وسجدوا له، وفتحوا كنوزهم، وقدّموا له الهدايا : ذَهباً، ولُبَاناً، ومُرّاً (مت 2: 11). ثم أُوحي إليهم في الحلم أن لا يرجعوا إلى هيرودس، بل عادوا في طريق أخرى إلى كورتهم، غضب حينئذٍ هيرودس جدّاً وأرسل، وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم، وفي كلِّ تخومها، من ابن سنتين وما دون بحسب الزمان الذي تحقَّقه من المجوس. هنا مرَّةً أخرى، نرى أنفسنا أمام نبوَّةٍ جاءت على لسان إرميا النبيّ، وهي تُعلن : صَوْتٌ سُمِعَ فِي الرَّامَةِ، نَوْحٌ وَبُكَاءٌ، وَعَوِيلٌ كَثِيرٌ، رَاحِيلُ تَبْكِي عَلَى أَوْلاَدِهَا وَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَتَعَزَّى لأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ (مت 2: 18). ونحن نسمع هذه الآية، نتخيَّل كأنَّ راحيل فعلاً موجودة وهي حيّة، تأكل وتشرب، تعيش وتراقب. هذا العمل الشنيع الذي قام به سلطان ذلك الزمان، وربَّما تذكَّرت أنَّ واحداً من أحفاد الإسرائيليّين مُستقبَلاً سيكون سبب خوفٍ وقلق لفرعون مصرَ، الذي هو الآخر أمر بقتل الذكور من شعب إسرائيل بلا رحمة حتّى يفني الشعب فناءً بطيئاً. فالنيّة عند الاثنين فرعون وهيرودس واحدة وهي سيئة للغاية، والتنفيذ هو واحد لأنَّ الجريمة طبّقها الاثنان في أناسٍ أبرياء. وأيضاً نقرأ نبوءة هوشع بين الحدثين أي اجتماع هيرودس مع المجوس وقتلُه لأطفال بيت لحم، فالنبيّ تحقَّقت نبوءته وهو الذي أعلن أنَّه : مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي (هو 11: 1). وهذا الذي حدث. فمتّى الرّسول يُبيِّن بأنّ ملاك الرّب قد ظهر ليوسف في حلمٍ، وقال له : قُمْ وَخُذِ الصَّبيّ وأُمَّه واهرُبْ إِلى مِصْرَ.... وَكَانَ هُنَاك إِلى وَفَاةِ هِيرُودُسَ لِكَي يَتِمَّ مَا قِيل بِالنَّبِيّ القَائِل : مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي (مت 2: 15).

(6)

وإلى أين يعود يسوع الهارب من وجه السلطات الزمنية الغاشمة أإلى بيت لحم؟ حيث كانت مسرحاً لولادة الرّبّ يسوع في مغارة بيت لحم، ومجيء الرّعاة، وظهور الملائكة في السماء، وهم يرتِّلون أنشودةَ الميلاد، المَجدُ للهِ في الأَعَالِي وَعَلَى الأَرْضِ السَّلام وَالرَّجاءُ الصَّالحُ لِبَنِي البَشَر (لو 2: 14). ومسرحاً لزيارة المجوس التي سبَّبت خوفاً ورعباً لهيرودس الملك، فقتل أطفال بيت لحم، أم إلى أين يعود ؟

   هنا مرّةً أخرى، نقرأ نبوَّةً وردت على لسان إشعياء النبي وقد جاءت الكلمة تحت تسميةٍ أخرى وهي الغصن، فيقول في إشارةٍ إلى يسوع الناصريّ: وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ (أش 11: 1). فهذا الغصن هو ما يُعرف بالنسر الذي يخرج من أسفل الساق ولا يثمر بسهولة، وتُنطَق نصر، والصفة منها ناصريّ. ولهذا يقول أيضاً متّى الرّسول عندما أُوحي إلى يوسف في حُلُمٍ وانصرف إلى نواحي الجليل وليس إلى بيت لحم. أتى وسكن في مدينة يُقال لها ناصرة، لكي يتمَّ ما قيل بالأنبياء إنّه سيُدعى ناصِريّاً (مت 2: 23).

(7)

   وتتوالى النبوّات الواحدة بعد الأخرى، قد لا تكون كلّها لها علاقة بحدث الميلاد العجيب، ولكن نرى بعضها مرتبطة بخدمة يوحنّا المعمدان، وبعضَها الآخر بما ورد على لسان السيّد المسيح من أقوال، وتحقَّقت بعض النبوءات، بعضها في عمل يسوع الخدمي، وبعض النبوّات عن أمثال السيّد المسيح، وأخرى عن الآلام، والموت، والقيامة، ومنها دخوله كملكٍ راكبٍ على جحش، وواحدة عن خراب الهيكل، وأخرى عن خراب أورشليم، وحتّى نبوّة عن الثلاثين من الفضّة ثمن المُثَمَّن، وأخرى عن اقتسام ثيابه عند صلبه.

(8)

   إنّ مشكلة اليهود ورؤسائهم وقادتهم خاصّةً من الفريسيّين، والناموسيّين، والكتبة، تكمن في عدم معرفة حقيقة سرّ التجسّد الإلهي، ولم يفهموا ما قاله بولس الرّسول في رسالته إلى أهل غلاطية : ولَمَّا بَلَغَ ملء الزَّمان أَرسَلَ اللهُ ابَنه مَولوداً من امرأةٍ، مَولوداً تَحْتَ النَّاموس، لِيَفتَدِي الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوس لِنَنَالَ التَّبَنِّي (غل 4: 4). وهم لم يعرفوا أبعاد ملء الزمان، أي أنّ نهاية زمان الخطيّة والشقاء واللعنة قد دنت، وبداية مجيء أيّام الله قد بدأت.

   إنّه انفتاح حقيقيٌّ من السماء على الإنسان، زمنٌ فيه روح حياة جديدة، ليس زمن النَّاموس، الذي يتمسّك أصحابه بالحرف إنّه زمن الرّوح الذي يُحيي. وقوله ليفتدي الذين تحت النَّاموس لننال التبني، أيضاً لمْ يُدرك معانيها اليهود وقادتهم، لأنّ الفدية كانت تعني دفع الديون أوّلاً، هذه الديون التي تراكمت على الإنسانيّة قروناً وأجيالاً، فكنّا بحاجةٍ لمن يستطيع أن يخرجنا بالقوّة من رباط الخطية والموت، هذا الرباط الذي كان يتحكّم بها النَّاموس الضاغط على الكلّ بلا رحمة.

   واليهود وقادتُهم أيضاً لم يعرفوا أنّ حركة التبنِّي لها إجراءات لإعادة ما كان قد خسره الإنسان، بعد أن سيطرت عليه الخطيّة. فبعد عمليّة الفداء على الصّليب غسل الفادي خطايانا بدمه، فانتقلنا من حالةٍ كان فيها النّاموس يحكُمُنا، إلى حالةٍ أصبحنا نشعر فيها بالبنوَّة الحقيقيّة، ولهذا نرى ما قاله يسوع في مَن سيكونون بنين لأبيهم السماوي : أَنْتُمْ فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ (يو 14: 20). كلّ هذا كان ليؤكِّد بولس الرّسول أنّ الوارث قد جاء.

(9)

   فعندما ضرب الرَّبّ يسوع مَثَل محاكمة الكرَّامين الأردياء، كان يُشير إلى التجسُّد الإلهيّ، فهذا الإنسان ربّ البيت غَرَسَ كَرْماً وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً وَبَنَى بُرْجاً وَسَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ (مت 21: 33). وكان من الطبيعي جدّاً أنه عند دُنوِّ وقت الأثمار أن يرسل فعلة إلى الكرّامين ليأخذ أثماره، فأرسل على دفعتين عبيداً، ولكنَّ الكرَّامين أهانوا العبيد، ورجموا بعضهم، بل قتلوا بعضاً منهم، فأراد عندما جاء ملء الزمان أن يرسل ابنه لعلَّهم يهابونه، أي يُدركون معنى الوعي، ويعودون إلى الوراء، ليتأمّلوا في نبوّات وأقوال أنبيائهم، ويقرأوا أسفار العهد القديم بتمعُّن. ولكنَّ الكرَّامين كانوا أردياء، وجهلة، حتّى كانوا خارجين عن النَّاموس، فلمَّا رأَوا الابن قالوا فيما بينهم، هَذَا هو الوارِث، هَلُمَّ نَقْتُلْهُ ونَأخُذْ مِيرَاثَهُ. فأَخَذُوه وَأَخْرَجُوه خَارِجَ الْكَرم وَقَتَلُوه (مت 21: 38 و39).

   ولم يعرف الكرَّامون الأغبياء أنَّ ملء الزمان لهذا أرسل الله ابنه مولوداً من امرأةٍ، مولوداً تحت النَّاموس... ليُصبحَ الحجر الذي رفضه البناؤون رأس الزاوية. فالوارث جاء بالجسد، وقرَّب إليه من كانوا سابقاً بمثابة عبيد والآن هم أبناء. ويقول بولس الرّسول أيضاً إلى أهل غلاطية : إِذاً لَسْتَ بَعْدُ عَبْداً بَلِ ابْناً (غل 4: 7)، وهو هنا يتكلَّم معنا نحن الذين آمنَّا برسالة الخلاص من خلال مجيء هذا الوارث بالجسد، ولهذا فإنْ كُنَّا بنين، فنحن ورثة لله بالمسيح، وهذا امتيازٌ عظيم أن نناله بعد الميلاد الوارث في مغارة بيت لحم. وهنا نراه لا يستعمل كلمة التبنِّي، وإنَّما الابن لأنَّنا حصلنا على وثيقة الميراث التي في يد الآب والمدفوعة إليه مجاناً، تكريماً بالإيمان الذي قدّمه.

(10)

وربّما يكون بولس الرّسول الأكثر إدراكاً للفصل ما بين التبني والبنوّة. ففي رسالته إلى أهل روميَّة يُعلن أنّنا بعد الميلاد لم نأخذ روح العبوديّة، بل أخذنا روح التبنّي. ولكنَّ هذا الرّوح نفسه يشهد لأرواحِنا أنّنا أولاد الله، هذا هو السرُّ الكامن وراء المعاني الحقيقيَة للتجسُّد الإلهي، إذ تحرَّرنا من العبوديّة تخلَّصنا من النّاموس. ولهذا، بعد التجسُّد أخذنا نصرخ بدالّة بنويّة عظمى يَا أبَّا الآبُ ! (رو 8: 15)، لأنّنا وُلدنا لله الحيّ، وأصبحنا أبناء للآب، وإخوةً لابنه يسوع المسيح، وورثة حقيقيّين مع المسيح، وهذا ما عبَّر عنه بولس الرّسول إلى أهل روميّة قائلاً : فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَداً فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضاً وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضاً مَعَهُ (رو 8: 17).

(11)

هل نستطيع أن نُدرك نحن أبناء القرن الحادي والعشرين كيف ارتفعنا بواسطة التجسُّد إلى مستوى البنين بالنسبة لله ؟ وهل عرفنا أنّنا كبنين لنا الحق في الإرث السماوي في ملكوته الأبويّ ؟ الوارث الذي قتله الكرَّامون الأردياء بعد أن جاء بالجسّد إلى الأرض، جعلنا شركاء في ميراثٍ في الحبّ، وميراثٍ في المجد، لأنّه هكذا خاطبنا يسوع المسيح ليكون فيهم الحبّ، الذي أحببتني به وأكون أنا فيهم (يو 17: 26)، وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني. هذا هو الميراث الذي لا يَفنى، ولا يتدنَّس، ولا يضمحلّ، محفوظ في السموات لأجلكم (1بط1: 4).

إذاً، تكمنُ صورة ميلاد يسوع المسيح في شخص الوارث، الذي جاءنا بعد ملء الزمان، ليكون نوراً للعالم، حتّى أنَّ كلّ من يؤمن به لا يمكث في الظلمة (يو 12: 46).

سوريا بلدي

  • print
  • send to friend
  • twitter
  • facebook
إنّ التعليقات الواردة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي موقع سوريا بلدي الذي لا يتحمّل أي مسؤولية من جرّائها.
اقرأ أيضاً
  • الرئيس الأسد يلتقي وفداً من شيوخ عشائر دير الزور والرقة والحسكة
  • مقدمة بعثة مراقبي الجامعة العربية يزورون موقعي العمليتين الارهابيتين