logo

التطرف والإرهاب الإسلامي في أوروبا

2016-08-25 17:03:58

بقلم الدكتور سعيد جوهر


قال الرئيس الفرنسي فرانسو اولاند بعد أحداث نيس، إن كل فرنسا تحت تهديد الإرهاب الإسلامي. ووجه كل غضبه على تنظيم "داعش"، وتعهد بمزيد من الضربات للتنظيم بدون ان ينظر الى مخاطر تهديد التطرف والارهاب من قبل بعض المسلمين داخل فرنسا، على الامن والسلم في إحدى اكبر الدول الاوروبية.


هناك التطرف والارهاب اليميني، ولكن تركيز المقالة على التطرف والارهاب المقبل من بعض قطاعات الاقلية المسلمة داخل اوروبا، نتيجة لتزايد عدد العمليات وعدد الضحايا مثل، احداث باريس في نوفمبر العام الماضي، التي راح ضحيتها مئة وثلاثين شخصا. تحدثت مرارا عن تلك الماسأة لجذب انتباه القراء والمسؤولين حول سرعة التحرك للتعامل مع تلك الظاهرة الخطيرة التي تقضي على حياة الابرياء.

تحدثت مع بعض المسؤولين في الغرب أيضا، ولكن يبدو ان عدم الفهم العميق لابعاد التطرف بين قطاع من المسلمين في الغرب من جانب، ومن جانب اخر الخوف من الاتهام بالاسلاموفوبيا هي السمات المحددة لتوجه الحكومات الغربية إزاء تلك الظاهرة.

من المحزن الاعتراف بحقيقة ان تلك العمليات ستستمر مادامت اسباب تلك الظاهرة متجذرة في المجتمعات الغربية. وقد حذر رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس البرلمان من ان المزيد من الهجمات الارهابية ستقع في البلاد وستخلف المزيد من الضحايا، رغم الاجراءات التي اتخذتها الحكومة، وقال إن فرنسا يجب ان تتعلم كيف تعيش مع التهديد بوقوع احداث مثل هجوم نيس الذي راح ضحيته 84 شخصا.

منفذ هجوم نيس محمد بوهلال تطرف في اخر ايامه، كما ان الافغاني الذي هاجم المسافرين في قطار بالمانيا اعلن انه سوف يقوم بعملية استشهادية، وفقا لشريط فيديو نشره "داعش". ينطبق الامر على هجمات باريس وكذلك احداث "تشارلي ايبدو". ووصل الامر إلى اللاجئ السوري في المانيا الذي فجر عبوة ناسفة واعلن عن صلته بتنظيم "داعش".

ان الرابط بين كل تلك الحوادث المؤلمة هو التطرف الفكري. يضاف إلى ذلك كراهية قطاع من المسلمين لطريقة حياة الاوربيين والرغبة في الانتقام من مواطني البلدان الاوروبية نتيجة ما يرونه من سياسات اوروبية ظالمة ضد المسلمين في العراق وفلسطين وافغانستان. فقد نشر "داعش" من خلال وكالة "اعماق" التي تنشر اخبار التنظيم ما ادعى انه وصية خالد البكراوي الذي فجر نفسه خلال هجمات مطار بروكسل في مارس الماضي.
يتحدث البكراوي وفقا للتنظيم عن كراهيته للأخلاق الغربية، وقال إنه اراد الانتقام من الغرب بسبب المذابح التي تحدث في العراق وفلسطين، واضاف "الصليبيون اتحدوا مرة أخرى لقتل المسلمين".
وهذا يعكس بوضوح المكنون النفسي الغاضب من الاوروبيين والرغبة الشديدة في الانتقام. في هذا السياق ذكرت صحيفة "التايمز" البريطانية ان مسلما طعن امرأة واطفالها الثلاثة على احد شواطئ نيس بسبب ملابسها الخليعة من وجهة نظره، يضاف الى ذلك ان شقيق محمد مراح الذي قام بعمل ارهابي عام 2012 ذكر ان والديه ربياه على كراهية فرنسا، ويعتقد ان تلك التربية كانت من العوامل المؤثرة في تطرف محمد مراح.

تتنوع مصادر تغذية التطرف والإرهاب الإسلاميين في اوروبا وتتمثل في الأسرة والمساجد والمدارس الاسلامية والمحاكم الشرعية وضعف الخطاب المضاد لخطاب التطرف ووجود بؤر جغرافية لنشر التطرف مثل، مولنبيك في بلجيكا ونيس في فرنسا والخوف من الاتهام بالاسلاموفوبيا وسياسات الحكومات الغربية الفاشلة في ادماج المسلمين في مجتمعاتهم، وشعور قطاع من المسلمين بالتميز بالهوية الاسلامية على حساب المجتمعات التي يعيشون فيها، واخيرا المواءمات السياسية العقيمة التي تعطي للمسلمين حقوقا تؤثر بالسلب على ادماجهم.

اعتقد ان المسؤولية مشتركة بين الحكومات والاقلية الاسلامية في اوروبا لمواجهة التطرف والارهاب.
هناك حاجة ماسة للتعامل مع العقيدة الجهادية لبعض المسلمين داخل اوروبا الذين يرون في "داعش" أيقونة الاسلام الجهادي، ومن ثم فان ضرب الدول المتحالفة لضرب التنظيم في العراق وسوريا، هو جهاد يجب القيام به.

هناك ضرورة ملحة لتحدي ونقد مفهوم الجهاد في الاسلام حتى لا يمكن استخدامه لتبرير عمليات العنف والارهاب. طالبت مؤسسة الأزهر للقيام بهذا الدور ولكن للأسف لا توجد نية ولا إرادة من قبل تلك المؤسسة للقيام بذلك. من جانب آخر يجب معالجة التهميش والفقر لدى بعض الجاليات الاسلامية في بعض المجتمعات الاوروبية وإخراجها من قوقعتها.

على الحكومات الاوروبية الا تسمح لبعض فئات الجاليات الاسلامية ان تبني دولة داخل دولة وتوقيف الممارسات المناهضة للقيم الاوروبية من قبل المسلمين الذين يعيشون على اراضيها، على سبيل المثال يجب تجريم تعدد الزوجات على المستويين القانوني والعملي، ومن جانب اخر يجب اغلاق المحاكم الاسلامية لانه وجد انها تتحيز للرجل ضد المرأة، واغلاق المدارس التي تخلق نظاما قيميا يناقض النظام القيمي الاوروبي.

يجب على الحكومة تفهم حاجات الاقلية المسلمة ومنحهم الحريات الدينية لانها جزء من الديمقراطية الاوروبية، ولكن يجب وضع خطوط معينة لمنع خلق دولة داخل دولة. هناك حاجة ماسة لائمة مساجد يعرفون لغة وقيم المجتمعات التي يعيشون فيها.

ان دور قادة الجاليات المسلمة المستنيرة مهم لاقناع الشباب المسلم بضرورة البناء وعدم الانخراط في الجماعات المتطرفة.

لا يمكن انكار الدور المهم لوسائل التواصل الاجتماعي في مناهضة التطرف والارهاب الاسلامي، وضرورة الاستثمار في هذا المجال من قبل الحكومات الغربية للحد من مخاطر التنظيمات المتطرفة.

يجب العمل على خطة متكاملة الاركان بالشراكة بين الحكومات والجاليات الاسلامية وباقي مكونات المجتمع للتصدي لهذا السرطان الخطير الذي يؤثر على الجميع.



د.سعيد جوهر

  • print
  • send to friend
  • twitter
  • facebook
إنّ التعليقات الواردة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي موقع سوريا بلدي الذي لا يتحمّل أي مسؤولية من جرّائها.
اقرأ أيضاً
  • كنائس العالم تصلّي منذ ثلاثين عاماً من أجل الوحدة
  • السلطة الرابعة تتأرجح بين رسالتها الإنسانية ومتطلبات استمراريتها